عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

437

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

فلحقوه وأخذوا منه الثياب وضربوه وسموه في ذلك البلد لصّ الحمام ، فقال لنفسه ههنا طاب المقام ، فزعم المنكر أن هذا الفعل لا يجوز في الشرع لأنه عرّض نفسه للتهمة والعقوبة وفعل فعلا محرّما من وجوه كثيرة * والجواب عن ذلك : ما أجاب به بعض الفقراء لما سأله بعض الفقهاء عن هذه الحكاية بعينها وقال له : أريد أن تقيم على جوازها دليلا ظاهرا من ظاهر الفقه ، ولا أقبل ما يذكره الفقراء ، فقال له الفقير المذكور : ما طلبت من الدليل حاصل مشهور ، قال وما هو ؟ قال أليس يجوز في ظاهر الفقه استعمال بعض المحرمات عند بعض الضرورات ، كاستعمال النجاسات في المداواة ؟ قال الفقيه بلى يجوز ذلك ، فقال الفقير فكذلك في هذه المسئلة ، داوى قلبه بهذا المحرّم ، فاعترف الفقيه وقال : هذا الجواب هو الفقه بعينه * قلت : وها أنا أزيد هذا الجواب بعض بيان ، وهو أن يقال : إذا جاز أن تداوى الأجسام من الأسقام بشئ حرام ، فلأن يجوز أن تداوى القلوب التي هي محلّ المعرفة والنور بشئ محظور أولى وأبعد من المحذور ، وشتان ما بين المرضين ؛ فمرض الأجسام نعمة وحسنات ، ومرض القلوب نقمة وهلكات ، وأين هلاك الأبدان من هلاك الأديان ، ففي هلاك الأديان سخط الملك الديان والبغض من الرحمن والقرب من الشيطان ، وليس كذلك هلاك الأبدان فظهر أن مداواة القلب من مرض ضرر الشهرة وغيرها أولى وأحرى ؛ ثم الأمراض إنما تداوى بأضداد عللها ، فالحرارات تداوى بالبوارد بالحرارة ، فكذلك مرض شهرة الصلاح داواه الخوّاص بدواء شهرة الطلاح ، وهذا واضح لا يحتاج إلى زيادة إيضاح ، وقد نبه النبىّ المكرّم على شرف القلب بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب » أخرجاه في الصحيحين * ومن ذلك حكاية الشبلي رضى اللّه تعالى عنه : قال لي خاطري يوما : أنت بخيل ؟ فقلت ما أنا بخيل . فقال بلى أنت بخيل ، فقلت ما أنا بخيل ، فقال بلى أنت بخيل ، فنويت أن أوّل شئ يفتح علىّ أعطيه أول فقير ألقاه ، فما تم هذا الخاطر حتى دخل علىّ فلان سماه ، بخمسين دينارا فأخذتها وخرجت فأول من لقيت فقيرا ضريرا ، أو قال أكمه بين يدي مزين يحلق شعره ، فناولتها